روعةُ الكيد ورِقة الخمر المعتق ( لوحةٌ بلقيسية )

| نشرت في: 2011-05-17 |




 
ملكةٌ فاتنةٌ وخمرٌ معتّق..
 
وصرحٌ مُمرّدٌ.. ومراسيم ملكية..!
 
( لوحةٌ بلقيسية )
 

توطئة اللوحة..! هكذا شأن صاحب الريشة الملكية التي لطالما حلمت أن أستعيرها منه أو تكون لي , ولكن هيهات لكاتب مثلي ما زال يأكل من فضلة البلغاء ويحبو على شاطئ الأدباء ان يعوم في بحرهم اللجي الذهبي.

n     ترى احدهم ممن وهبه الله ريشة أدبية ملكية فاخرة الأطراف. . مذهبة الحواشي .. كأنما نزعت من قلب طاووس مزركش لا من التاج الذي يُكلّلُ رأسه..!

n     تراه.. عندما يحكي لك قَصة ..فتخال نفسك انك للتو تسمعها من أول مرة .. وفي كل فصلٍ منها تهز كيانك وترج نفسك , ولا تكاد تنقطع أنفاسك المتسارعة إلا في نهايتها وإسدال ستارها .. ولا غرو ولا عجب فهي مَلَكة ( بفتح الميم واللام ) تنافس ملكة الشعر ونظم أبياته .. وتنافس مَلَكَتُهُ صادح الحي ومطرب المدينة عندما يشدو بصوته الحان الصبِ وآهاته ولوعاته ..

n     لا بل تراه ( أي ذلك الكاتب ) يتحدى العرض المرئي , وألوان الشاشة لأنه يلون الحروف بالألوان التي يشتهي هُــــو أن تراها أنت ..! ويصبغ مشاهِدهُ المكتوبة بحقيقَةٍ ماثلةٍ تهتز كأنها جانٌ على ورق رمادي من القرطاس ..! وتنطق الصحيفة التي ليس لها من الصوت إلا ( الخشخشة ) بصوت ناعم أحيانا وتارة أخرى عال وصادح وكُل ذلك التطريز ..فقط بـ ( قلمه ) !.

فتعال الآن اقرأ .. أو إن شئت تعال الآن أنظُر..!

روعة الكيد والخمر المعتق !

n  ( بلقيس )  ملكة سبأ .. كانت تتمتع بالذكاء والفطنة التي قل ما نسمع عنها فيمن تحمل بين جنباتها أنوثة هادرة ..كانت ملكتنا (بلقيس) فتية حسناء رائعة وفصيحة وبليغة وعاقلة ومما يسطره التاريخ في كيدها العظيم قصتها مع الملك عمرو بن ابرهة الملقب بذي الاذعار .. والذي حاصر مملكتها بحشر عظيم من جنده قبل ان يستقر لها أمر الملك كاملاً وتتقلد صولجان الحكم.. فأشعلت زناد فكرها وأوقدت جذوة فطنتها .. وأدركت أنها مغلوبة في المواجهة العسكرية خصوصاً وان جندها الذين يصفهم القرآن بأولي قوة وبأس شديد لم يكونوا تحت سيطرتها وهي في المرحلة الأولى من الملكية ..

n  فلجأت إلى كيدها وان كيدهن لعظيم ! فما كان منها إلا أن لبست أجمل الثياب وأفخمها ثم زينت نحرها بما يبرق لمعاناً من أنفس الياقوت والزبرجد الأخضر ثم انها طلعت من قصرها واسترسلت بخطوات ملكية .. وخرجت من قلعتها وأخذت تشق صفوف الجند الذين حاصروا مملكتها بكل خيلاء منها وزهو..

n  حتى إذا ما بلغت الخيمة الملكية للملك عمرو.. ولجتها بأنوثة الهيت لك..! فلما رآها الملك ..أيقن انها جاءته مستسلمة , فصفق بيديه ونادى فلتخرج كل الحاشية من البلاط لاسيما الجواري الحسناوات كي لا يقبحن بعينه بعد أن رأى فتنة الملكة !

 

 

n  ولما خلا الجو بينهما .. أقسمت عليه أن تسامره وهي تسقيه من ذلك الخمر المعتق! وكان كلما أراد حظاً منها تمنعت ( مليكتنا) الفاتنة عليه وألهته بكأس آخر ..ثم تتغنج له لتسقيه كأساً جديداً ..وهكذا ظل يراودها وهي تتمنع عليه بأنوثة هادرة وبعبارة متغنجة (( كف عن مداعبتي ..! )) لا يا سيدي .. ليس الآن !  ولكنه ظل يراودها عن نفسها وهي تراوده بكأس آخر عن نفسه..! حتى أصابت منه عشر كؤوس ولم يصب منها سوى قبلة يتيمة !

n   ثمل جلالة الملك المعظم وثقل عقله وتمايل رأسه ... عندها ..حانت ثمرة الكيد والدهاء فاستلت سيفه الذهبي من غمده, وانقضت على نحره الملكي فنحرته بشفرة ملساء..! ليفور على الفور دمه المخلوط بالخمر المعتق! ثم خرجت متسللة من خيمته المغدورة إلى قلعتها التي أصبحت منصورة بعصير من العنب وكأسٍ من الخمر!!  وتنهي بذلك بعدها أسطورة ملك جبار وتخلص مملكتها من الهلاك وتحفظ تاجها .. وتعلي صولجانها .. وفقط بعشرة كؤوس ملكية معتقة! فيا لروعة الكيد!

 

 

 

الملكة بلقيس وقصة الصرح الممرد!

n  لا بأس يا معاشر القراء ان كنا سنخلف من وراءنا فجوة من قصة ملكتنا بلقيس مع سيدنا الملك سليمان عليه السلام ...لا بأس أن نسدل على فصل من فصول قصتهم الستار, لأني أريد أن انتقل معكم إلى مشهد أكثر بريقاً واشد حلاوة من رواية (الهدهد ) الذي احزنه ما رآه في مملكة بلقيس فجاء يعدو طائراً وهو حزين وقال ( وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ ) ..
 
سنترك تفاصيل هذا المشهد ولننطلق سوية إلى منظر القدوم الملكي للملكة بلقيس وحاشيتها ومجيئهم بين يدي ملك الجن والإنس سيدنا سليمان عليه السلام.. فماذا كان هناك? وما عساه ان يكون?!

n    نحن الآن أمام مشهد الصرح الممرد ..! بل نحن الآن في مراسم الاستقبال الملكي الذي أعده سيدنا سليمان لملكة سبأ بلقيس ! تلك المراسم التي ظاهرها ملكي مخملي ولكن باطنها دعوة للتوحيد الخالص وللعبودية فانتبهوا.., 

n  بعد أن وصل موكبها إلى الناحية الأخرى من القصر الأسطوري ، (( قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ  لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ ))

n  عجباً..! فلقد كانت تظن أنها سترى متكأً ملكياً كريماً كتكاءات الملوك المعتادة.. ولكنها شاهدت ما لا يخطر على قلب بشر ولا حتى سمع ولا بصر ..! لقد وجدت نفسها أمام قصر ابيض من الزجاج الصافي طلاؤه.. فراشات ذهبية تمازح شقيقات لها فضية..! وليس له من بلاط سوى ماء رقراق يسبح فيه سمكٌ ملون من أجمل فراشات البحر وأزهارها.. وهناك وفي وسط هذه التحفة البلورية القرمزية كان عرش سليمان في الصدر ومستراحاً لضيوفه!

n   لم تنتظر بلقيس من شدة هولها بهذا الخيال الحقيقي أن يسبقها إلى العرش جلالة الملك سليمان ولكنها تقدمت عن الجميع وهي مشدوهة وناسية حتى أنها ملكة! حتى أنها لم تطلب أن يوضع لها جسر تخطو عليه فوق الماء كي لا تتبلل ولكنها انطلقت كالطفلة الشقية تريد أن تخوض هذا الماء الذهبي برجليها..!

n   وعند الحافة البلورية رفعت ثوبها الملكي المطرز! ولكن ثوبها كان طويلاً ومحتشماً يليق بمكانتها كأنثى تقدر أنوثتها أولاً وكملكة ثانياً.. لكنما وهج البلور الذي ملأ عينيها أنساها حتى حشمة الساقين..! فجمعت أطراف ردائها بكفيها ( وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا )  ..! فهي لا تريد لثوبها ان يتبلل بما تحسبه وتظنه لجة من الماء الجاري! ولكن يا إلهي فلقد كشفت الآن ساق امرأة في حضرة نبي مرسل قبل أن يكون ملكاً..! فأبت النبوة على النبي التقي النقي أن يرفع رداء الحشمة بالحضرة النبوية الشريفة فعاجلها سليمان قائلاً ( قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ ) ! فلا تكشفن ساقك الملكية ! وأرخي عليها رداء الستر والحشمة!

حفاوةٌ .. ظاهرة مراسيم ملكية ولكن باطنها دعوة لله وللتوحيد والعبودية!

n  بعد تلك اللحظة البلورية! وهذه الحفاوة والمراسيم الملكية التي تعمد سيدنا سليمان ان تعيشها الملكة بلقيس في قصره البلوري توقد عقل بلقيس المتوقد ليحسم الامر كله! فان ما عايشته في هذه اللحظات ليست الا قدرة ربانية إلهية.

n  وتأتي لحظة التجلي ويحين قطف ثمرة هذه المراسم الملكية لتعلن الملكة للملأ كله بيانها الختامي (( قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ))

n  يا الله ... ألم أقل لكم ان مراسم هذا الاستقبال ظاهره فخامة ملكية وباطنه دعوة للتوحيد والدين الحق والعبودية!

n  يا الله .. إن نبينا سليمان لم يحدثها بعد عن التوحيد الخالص للخالق ولكن عقلها الراجح قد دلها على أن تلك الآيات الجمالية والمعجزات البلورية وهاتيك القوارير المزوقة وذلك الصرح الممرد لم يكن لِيُشيَّد إلا ببركة من الخالق فلم تستطع ( مليكتنا )  العاقلة أن تصمد أمام هذا الجمال كله إلا أن تخضع لخالق الحسن والروعة والجمال .. وتسلم لله رب العالمين ولكن بسياط الفخامة ..! وسيف البريق..! ومهند اللمعان والبلور ..!

وضعت ريشتي وجفت ألواني من لوحتي البلقيسية!.

الكاتب محمد يوسف المليفي

 

للأعلى m_f7@ :
إضافة تعليق:
الإسم:
التعليق:
يرجى إدخال العدد التالي:
   
 



قراءة التعليقات: