أَدَبُ الكاتب..حديثٌ إلى البقيّــةِ الباقية من المغردين

| نشرت في: 2011-12-26 |




 

                                                                                              

أَدَبُ الكاتب..حديثٌ إلى البقيّـــةِ الباقية من المغردين!

 
·  عندما كنت صبيا ولم أبلغ الحلم بعد..رأيت في مكتبة المسجد كتاباً ضخماً اسمه ( أدب الكاتب ) حسبته من الوهلة الأولى بأن مؤلفه هو أحد المعاصرين.. ولما قرأت اسم المؤلف وإذ به عبد الله بن مسلم بن قتيبة الكوفي المروزي الدينوري..فأدركت استحالة أن يكون هذا واحدا من عصرنا  !
 ·   تصفحت الكتاب ولم أفهم كثير مما قرأت آنذاك ..ثم لما اشتد عودي بالفهم أعدت قراءته فوجدت فيه ما يثري الإفهام ويوقد الذهن ويعلم الكاتب الأدب والفن أيضاً ..
·  ولا يظن القارئ بأن الإمام بن قتيبة رحمه الله قد ألف كتابه لكتّاب الصحافة والصحافيين ولا يظن أحدهم بأنه كتبه للمغردات والمغردين..!
 لا أبداً فلقد توفي مؤلفه في مائتين وسبعين للهجرة أي قبل أكثر من ألف عام ..! وعندها لم يكن قد ظهر ( تويتر ) بل ولم تكن قد خلقت لا الصحافة ولا الإذاعة ..بل حتى آلات التصوير كان يحل محلها الوراقين الذين ينسخون الأوراق بخط أيديهم..
 
·   ولأن الكتّاب آنذاك ليسوا سوى المؤلفين وطلبة العلم ..فلم يكن في حسبان المؤلف بن قتيبة أن يتكلم عن أدب الردود بين المغردين مثلاً .. أو المناقشات بين كتّاب المقالات ، ولا أن يسلط الضوء على القبح الذي يسمى بالعهر الصحفي ، ولا أن يعري منهج اللف والدوران وعدم الوضوح في الطرح..
 

·  ولم يخطر على باله بأن من يزعمون أنهم من حماة العقيدة .. أصبحوا هم من يكتبون مدحاً وثناء على من عطلوا شرع الله..! بل والمصيبة أنهم يزعمون بأن موالاة سلاطين الظلم والكُفرِ هو من الإسلام..!

·  وأنا أكادُ أجزم بأن بن قتيبة لـو عِلم ذلك لخصص فصلاً كاملاً في كتابه عن شاكلتهم ، وربما عنونه بحزب السلاطين..!
أو ربما سماه ( مشايخ العملاء..) !
 

·   بَيــدَ أن كل ما سبق لم تكن من اهتمامات بن قتيبة رحمه الله..

·  بل كل همه كان منصباً على تبيين الأغلاط الفاحشة التي يقع فيها المؤلفين في استخدام الألفاظ الخاطئة .. وسلّط الضوء على اللحن في اللغة العربية وكشف أصول الأسماء واستخداماتها وأبنيتها ومعانيها وما الذي يذّكر وما الذي يؤَّنث ، وكذا الفروقات بين الأشياء ، حتى أنك لتجد النصف الآخر من الكتاب أشبه بكتب النحو والبلاغة..
 
·  وهو في النهاية كما قال عنه ابن خلدون رحمه الله في مقدمته ( لقد سمعنا من شيوخنا في مجالس التعليم أن أصول هذا الفن  ــــــــــ  أي الكتابة  ـــــــــــــ  وأركانه أربعة دواوين .. أولهما أدب الكاتب لابن قُتيبة ..).
 
·  أجزم بأن بأن بن قتيبة لو كان في عصرنا هذا فلسوف يستبدل تأصيلاته النحوية بالنصائح الأخلاقية ..وبتبيان الشذوذات الصحافية بدلاً من الإملائية..! وأظنه سوف يكتب عن فن كتابة المقال ..وسيخصص فصلاً كاملاً عن ذلك الذي يضع عنواناً مثيراً ولكن المضمون حكاوي وأقوال..!
 
·  وسيكتب فصلاً آخر عن ذاك الذي يكتب من أجل الكتابة ! ثم سيعرّج بالحديث عن مرض ( استدعاء الكتابة ) وهو المرض الذي يصيب أولئك الذين خَلُص منهم الوقود وقالوا كل ما عندهم فاحترفوا تدوين مذكراتهم الشخصية وتوزيعها على الناس قسراً وبالمجان فلا بد أن يعرف الناس أين ذهبوا بالأمس ! وأين سيذهبون غداً ! ثم عند مَن كان غدائهم قبل أسبوع والأسبوع القادم سيتعشون عند من ؟
 

·  ولا بأس أيضاً أن يذكر للعالمين أصناف المأكولات التي يشتهيها ، ومن الأهمية بمكان أن يتحدث مطولاً عن أنواع ( المرق !!) بل صار من أساسيات الكِتابة أن يتكلم عن أنواع ( المخللات والأجار والطرشي!)

·   وحتى التي يتخيلها ترقص ، ويستحسن قوامها الرشيق لا بُد أن يكون لها نصيبٌ في زاويته ( القذرة ) فمن العيب أن لا يعرفها الناس أيضاً..! يجب أن يكتب هكذا .. ويكون هكذا مستواه .. وإلا  كيف سيتحقق بهذا الرويبضة الحديث النبوي الذي يصِفه بدقة متناهية ( الرجل التافه يتحدث بأمر العامة..!! ) ؟؟
 
·  أظن أن إمامنا بن قتيبة سيجعل كل هذا بوادٍ وكلامه عن أولئك الذين احترفوا دور قرض الأعراض في واد آخر..! فما عسى الإمام بن قتيبة سوف يقول عن ما يمكننا أن نسميهم بجرذان الصحافة و( فئران تويتر )!!
 

·  وهم الذي لا يتورعون عن قذف الناس في أعراضهم وقرض سمعتهم ونهشها بمجرد أن يتخاصموا معهم فلا حجة عنده ولا بينة ولا دليل يقارع به الخصم سوى تأليف أفحش الكلام وأقله حياء وأكثره سقوطاً..ولقد نسوا أولئك المتهالكين بأن كل إناء بما فيه ينضح..!

·  وصدق الله سبحانه في قوله ( وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْــــــــــــرُجُ إِلاَّ نَـــــكِدا )..!

·    فأي قلم ليت شعري يملُك أولئك ؟!

 فخاطرهم ينبع عن وسواس..

 وقلمهم يكبو ولا يسقط إلا على الراس..

 ومدادهم لأن يُـفرغَ في حُفرة في أقصى الواد.. لهو أليق وأكرم بأن يتشرب القرطاس منهم هذا المِداد..

أو يُسطر على شاشات الآيفون والآيباد..!!

معاشر السادة

أقسم لو أن بن قتيبة حاضراً عندنا لما وسعه إلا أن يكتب عن ذاك القلم الذي ( ينباس ) والقلم الذي يوضع فوق الراس والقلم الذي ينداس..!

n  نعم والله إن الإمام بن قتيبة لو أدرك زماننا هذا فلن يهمه كثرة اللحن والأخطاء النحوية في لغتنا العربية على قدر ما سيعنيه ويهتم به تنشئة جيل من الكتَّاب المحترمين..وثُلةٌ من المغردين المميزين
 

n  أولئك الذين يعبرون بصدق ووضوح عن هموم أمتهم ويؤصلون مبادئ دينهم وليس لهم ألف وجه في كتابتهم ، فلا تجد أن  ما يكتبونه ويتحدثون به في واد وما تحمله شخصيتهم في واد آخر..

إنهم أولئك الذين يجمّلون الكتابة لا الكتابة التي تجمّلهم ..

إنهم والله البقية الباقية من المحترمين ، والنُخبةُ المنتخبة من المغردين ..

ولعلي وكثير من الزملاء لم نصل إلى أولئك الذين أتخيلهم..ولكن أملنا أن نرتقي بأنفسنا لنكون منهم..وأن يتعلم الحاذق من عثراته..وأن لا يكرر مثالبه وزلاته ..

وأن لا يُكرر هفواته وسقطاته ..فهل من مدكر..!؟

(اللهم أجعلنا ممن يستمعون القول .. فيتبعون أحسنه .. آمين ))

 

أخوكم الكاتب
محمد بن يوسف المليفي
 

تويتر

 

 @m_f7

 
أبوعمر 
 

للأعلى m_f7@ :
إضافة تعليق:
الإسم:
التعليق:
يرجى إدخال العدد التالي:
   
 



قراءة التعليقات:
وليد الجرمان العازمي
شهادتي فيك مجروحة وانت كاتب كبير ومقالتك تستحق القراءة - تقبل مروري
 
 

عثمان الكندري
كلام جميل ...و انفتاح مجال الكتابة في الوقت الحالي .. سبب لتعرية افكار الكثير ممن كان صمتهم اجدر بالاحترام

بنت عطا
رائعه ! ليس كل من غرد مغرد ! و يا كثر الاخطاء !!! تقبل مروري استاذي =)